الحكيم الترمذي
39
كيفية السلوك إلى رب العالمين
ودين » « 1 » وإنما المراد منه فرع الدين في أيام الحيض والنفاس . فبان لك أن أنوار الصدور على وجوه ، والعمل بها على المواقيت والمقادير . فمن أراد علما منه ازداد في صدره نوره على مقدار ذلك ، وينقص أيضا نوره بترك استعماله ، حامل هذا النوع من العلم هي النفس ، فكما أنها تزيد وتنقص فكذلك أفعالها وصفاتها تزيد وتنقص . وأما أنوار القلب فإنها في الأصل كاملة ، ومثلها كمثل الشمس التي هي كاملة ، ولكن الهواء إذا كان فيه علة مثل الغيم والضباب وشدّة الحرّ وشدة البرد حجبت هذه الأشياء نورها ، فانتقصت ولاية شعاعها ، وقل سلطان حرها ، فإذا ارتفعت تلك العلل نفذت ولاية نورها ، وبلغت شعاعها واشتد سلطانها ، ولم تكن في ذاتها ناقصة ولكن منافعها قد انقطعت للعلل التي وصفتها . فكذلك نور الإيمان ونور المعرفة ونور التوحيد إذا أخذتها ظلمات الغفلة وغيوم النسيان وحجب العصيان وامتلأ الصدر من غبار الشهوات وضباب أضرار النفس واليأس من روح اللّه ، وانتقصت ولاية هذه الأنوار عن النفس وبقيت بذاتها وتحت هذه الحجب ووراء هذه الأستار ، فإذا ارتفعت هذه العلل من الصدر بمنة اللّه وتوفيقه وصحت توبة العبد إلى اللّه تعالى ، كشف الغطاء وخرقت الحجب وظهرت منافعها على النفس وانتشرت ولايتها فمن تفكر بتوفيق اللّه في هذه النكتة واستمسك بالسنة ، أزال اللّه تعالى كثيرا من الشبهات من قلبه ، وقلع عن صدره عروق ريبه ، وهداه اللّه تعالى إلى مشاهدة حقائق غيبه . وهذا شيء واضح لمن يسّر اللّه عليه سبيل الفقه والفهم . وأما مثل نور الأحكام وهو نور الإسلام في الصدر فإنه يزداد بصحة المعاملة وصدق المجاهدة ، وينقص نوره بالإعراض عن إقامة شرائعه وترك استعماله ، فمثله كمثل القمر ، فإنه يزيد وينقص . الإسلام اسم جامع لأصل الدين وفروعه ، وقد أكمل اللّه هذا الدين بفروعه وأحكامه في نيف وعشرين سنة ، إلّا أنه نسخ من أحكامه بعضها فبدل بعضها . وأما الإيمان والمعرفة والتوحيد فلا يجوز النسخ فيها ولا تبديل شيء منها .
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، في أبواب عدة منها : باب ترك الحائض الصوم ، حديث رقم ( 298 ) [ 1 / 116 ] ورواه مسلم في صحيحه ، باب بيان نقصان الإيمان . . ، حديث رقم ( 79 ) [ 1 / 86 ] ورواه غير هما .